الشيخ محمد هادي معرفة
184
تلخيص التمهيد
السمع على معجزة البصر . ولم يكن هذا العلم موجوداً أيام نزول القرآن « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ » « 1 » . وهذا تحدّ بمستقبل الأيّام سوف يُصادف على آيات ما زالت تُقرأ وهي غيوب محجّبة . إنّه الانضباط والإحكام في كلّ لفظة وفي كلّ حرف ، لا تتقدّم كلمة على كلمة إلّابسبب ، ولا تتأخّر كلمة عن كلمة إلّابسبب ، فما هذا الإصرار على تقدّم السمع على البصر في تعبير القرآن ؟ إنّه تكرار متعمّد برغم أنّ النظرة العامّية إلى الأمور تنظر إلى البصر بإجلال أكثر « 2 » . آيتا السرقة والزنا وهو حينما يذكر السرقة نراه يورد السارق مقدّماً على السارقة « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما » « 3 » . أما في الزنا فنراه يذكر الزانية مقدّمة على الزاني « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ » « 4 » . والحكمة واضحة ، فالمرأة في الزنا هي البادئة وهي التي تدعو الرجل بزينتها وتبرّجها ، أمّا في السرقة فهي أقلّ جرأة من الرجل . إننّا إذاً أمام كلمات مصفوفة بإحكام ودقة وانضباط « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » « 5 » . ليس كمثله شيء ومن دقيق تعبيره : قوله تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » « 6 » . زعموا زيادة الكاف هنا ، فراراً من المحال العقلي ، إذ لو كانت باقية على أصلها للزم التسليم بثبوت المثل !
--> ( 1 ) . فصّلت : 53 . ( 2 ) . محاولة لفهم عصري : ص 251 . ( 3 ) . المائدة : 38 . ( 4 ) . النور : 2 . ( 5 ) . هود : 1 . ( 6 ) . الشورى : 11 .